الخميس، 3 نوفمبر 2016

وعدتك


وعدتك أن لا أحبك ثم أمام القرار الكبير جبنت 
وعدتك أن لا أعود وعدت 
وعدتك أن لا أموت إشتياقا ومت 
وعدت مرارا وقررت أن أستقيل مرارا 
ولا أذكر أني إستقلت 
وعدت بأشياء أكبر مني فماذا غدا ستقول الجرائد عني 

أكيد ستكتب أني جننت 
أكيد ستكتب أني إنتحرت 

وعدتك أن لا أكون ضعيفا وكنت
وعدتك أن لا أقول بعينيك شعرا وقلت
وعدت بأن لا 
وأن لا
وأن لا
وحين إكتشفت غبائي ضحكت

وعدتك أن لا أبالي بشعرك حين يمر أمامي 
وحين تدفق كالليل فوق الرصيف صرخت 
وعدتك أن أتجاهل عينيك مهما دعاني الحنين 
وحين رأيتهما تمطران نجوما شهقت 
وعدتك أن لا أوجه أية رسالة حب إليك 
ولكنني رغم أنفي كتبت 
وعدتك أن لا أكون بأي مكان تكونين فيه
وحين عرفت بأنك مدعوة للعشاء ذهبت 

وعدتك أن لا أحبك كيف ؟ وأين ؟ 
وفي أي يوم وعدت ؟ 
لقد كنت أكذب من شدة الصدق
والحمدلله أني كذبت

وعدت بكل برود  وكل غباء بإحراق كل الجسور ورائي  
وقررت بالسر  قتل جميع النساء  
وأعلنت حربي عليك  وحين رأيت يديك المسالمتين إختجلت

وعدت  بأن لا وأن لا 
وكانت جميع وعودي  دخانا وبعثرته في الهواء  
وعدتك أن لا أتلفن ليلا وأن لا أفكر فيك إذا تمرضين
وأن لا أخاف عليك  وأن لا أقدم وردا  
وأن لا أبوس يديك  وتلفنت ليلا على الرغم مني  
وأرسلت وردا على الرغم مني  وبستك من بين عينيك  حتى شبعت  

وعدت  بأن لا  وأن لا وحين إكتشفت غبائي  ضحكت  
وعدت بذبحك خمسين مرة  وحين رأيت الدماء تغطي ثيابي  
تأكدت بأني الذي قد ذبحت 
فلا تأخذيني على محمل الجد 
مهما غضبت  ومهما إنفعلت
ومهما إشتعلت ومهما إنطفأت 
لقد كنت أكذب  من شدة الصدق
والحمد لله أني كذبت 
وعدتك أن أحسم الأمر فورا وحين رأيت الدموع تهرهر من مقلتيك إرتبكت 
وحين رأيت الحقائب في الأرض أدركت أنك لا تقتلين بهذه السهوله 
فأنت البلاد  وأنت القبيله وأنت القصيدة قبل التكون أنت الطفوله

وعدت بإلغاء عينيك من دفتر ذكرياتي 
ولم أكن أعلم أني ألغي حياتي 
ولم أكن أعلم أنك رغم الخلاف الصغير أنا وأنني أنت
وعدتك أن لا أحبك ياللحماقة ماذا بنفسي فعلت 
لقد كنت أكذب من شدة الصدق 
والحمدلله أني كذبت

وعدتك أن لا أكون هنا بعد خمس دقائق
ولكن إلى أين أذهب ؟ إن الشوارع مغسولة بالمطر
إلى أين أدخل ؟ إن مقاهي المدينة مسكونة بالضجر
إلى أين أبحر وحدي ؟ 
وأنت البحار وأنت القلوع وأنت السفر
فهل من الممكن أن أظل  لعشر دقائق أخرى لحين إنقطاع المطر 
أكيد بأني سأرحل
بعد رحيل الغيوم
وبعد هدوء الرياح 
وإلا فسأنزل ضيفا عليك
إلى أن يجيء الصباح 

وعدتك أن لا أحبك مثل المجانين فى المرة الثانية
وأن لا أهاجم مثل العصافير أشجار تفاحك العالية
وأن لا أمشط شعرك حين تنامين 
ياقطتي الغالية 

وعدتك أن لا أضيع بقية عقلي 
إذا ماسقطت على جسدي نجمة حافية 

وعدت بكبح جماح جنوني ويسعدني أنني لا أزال شديد التطرف حين أحب 
تماما كما كنت  في السنة الماضية 

وعدتك أن لا أخبئ وجهي بغابات شعرك 
طيلة عام 
وأن لا أصيد المحار على رماد عينيك
طيلة عام 
فكيف أقول كلاما سخيفا كهذا الكلام 
وعيناك داري
ودار سلام
وكيف سمحت لنفسي بجرح شعور الرخام 
وبيني وبينك خبز وملح وشدو حمام 
وأنت البداية في كل شيء ومسك الختام 

وعدتك أن لا أعود وعدت 
وأن لا أموت إشتياقا ومت

وعدت بأشياء أكبر مني فماذا بنفسي فعلت 
لقد كنت أكذب من شدة الصدق
والحمد لله
أنني كذبت 
..........................
نزار قباني


الأحد، 19 يونيو 2016

عذرا حبيبي


في كل عام كنت أحمل زهرة مشتاقة تهفو إليك
في كل عام كنت أقطف بعض أيامي وأنثرها عبيرا في يديك
في كل عام كانت الأحلام بستانا يزين مقلتي ومقلتيك
في كل عام كنت ترحل يا حبيبي في دمي وتدور ثم تدور
ثم تعود في قلبي لتسكن شاطئيك
لكن أزهار الشتاء بخيلة
بخلت على قلبي
كما بخلت عليك
عذرا حبيبي
إن أتيت بدون أزهاري لألقي بعض أحزاني لديك
*************
فاروق جويدة

دعيني أحبك



دعيني أقاوم شوقي إليك وأهرب منك ولو في الخيال
لأني أحبك وهما طويلا وحلم بعيني بعيد المنال
دعيني أراك هداية عمري وإن كنت في العمر بعض الضلال
دعيني أقاوم شوقي إليك فإني سئمت قصور الرمال
نحب كثيرا ونبني قصورا وتغدو مع البعد بعض الظلال
دعيني أراك كما شئت يوما وإن كنت طيفا سريع الزوال
فما زلت كالحلم يبدو قريبا وتطويه منا دروب المحال
*************
فاروق جويدة

وكلانا في الصمت سجين


لن أقبل صمتك بعد اليوم
لن أقبل صمتي
عمري قد ضاع على قدميك
أتأمل فيك وأسمع منك
ولا تنطق
أطلالي تصرخ بين يديك
حرك شفتيك أنطق كي أنطق 
أصرخ كي أصرخ
ما زال لساني مصلوبا بين الكلمات
عار أن تحيا مسجونا فوق الطرقات
عار أن تبقى تمثالا
وصخورا تحكي ما قد فات
عبدوك زمانا واتحدت فيك الصلوات وغدوت مزارا للدنيا
خبرني ماذا قد يحكي صمت الأموات

ماذا في رأسك خبرني
أزمان عبرت
وملوك سجدت
وعروش سقطت
وأنا مسجون في صمتك
أطلال العمر على وجهي نفس الأطلال على وجهك
الكون تشكل من زمن في الدنيا موتى أو أحياء
لكنك شيء أجهله لا حي أنت  ولا ميت
وكلانا في الصمت سواء

أعلن عصيانك لم أعرف لغة العصيان
فأنا إنسان يهزمني قهر الإنسان
وأراك الحاضر والماضي وأراك الكفر مع الإيمان
أهرب فأراك على وجهي وأراك القيد يمزقني وأراك القاضي والسجان

أنطق كي أنطق
أصحيح أنك في يوم طفت الآفاق وأخذت تدور على الدنيا وأخذت تدور مع الأعماق
تبحث عن سر الأرض 
وسر الخلق 
و سر الحب
وسر الدمعة والأشواق 
وعرفت السر ولم تنطق
ماذا في قلبك خبرني ماذا أخفيت؟
هل كنت مليكا وطغيت 
هل كنت تقيا وعصيت
ظلموك جهارا
صلبوك لتبقى تذكارا
قل لي من أنت 
دعني كي أدخل في رأسك
ويلي من صمتي
من صمتك
سأحطم رأسك كي تنطق 
سأهجم صمتك كي أنطق 
أحجارك صوت يتوارى يتساقط مني في الأعماق
والدمعة في قلبي نار تشتعل حريقا في الأحداق
رجل البوليس يقيدني والناس تصيح 
هذا المجنون حطم تمثال أبي الهول
لم أنطق شيئا بالمرة
ماذا سأقول
ماذا سأقول
*************
فاروق جويدة

حبيب غدر



تعودت بعدك في كل شيء فأصبحت عندي خيالا عبر
غريبين كنا بهذا القطار
وفي البعد صرنا حكايا سفر 
لأني غرستك زهرا وعطرا صباحا يضيء  لكل البشر 
لأني عبدتك رغم الخطايا وعانقت فيك سنين العمر
وغنيت حبك بين الحيارى وسامحت فيك جفاء القدر
يعز علي
إذا صرت شيئا بقايا وفاء  وذكرى وتر 
فأصبحت في القلب  كهفا صغيرا كتبت عليه حبيب غدر 
تعودت بعدك لا تسأليني فقد صرت عندي نبيا  كفر
*************
فاروق جويدة





السبت، 18 يونيو 2016

ولا شيء بعدك


لأنك سر وكل حياتي مشاع مشاع
ستبقين خلف كهوف الظلام طقوسا ووهما
عناق سحاب ونجوى شعاع
فلا أنت أرض ولا أنت بحر ولا أنت لقيا تطوف عليها ظلال الوداع
وتبقين خلف حدود الحياة طريقا وأمنا وإن كان عمري ضياعا ضياع

لأنك سر وكل حياتي مشاع مشاع
فأرضي استبيحت وما عدت أملك فيها ذراع
كأني قطار يسافر فيه جميع البشر فقاطرة لا تمل الدموع وأخرى تهيم عليها الشموع
وأيام عمري غناوي السفر

أعود إليك إذا ما سئمت زمانا جحودا
تكسر صوتي على راحتيه وبين عيونك لا امتهن
وأشعر أن الزمان الجحود سينجب يوما زمانا بريئا ونحيا زمانا غير الزمن
عرفت كثيرا
وجربت في الحرب كل السيوف 
وعدت مع الليل كهلا هزيلا
دماء وصمت وحزن  وخوف 
جنودي خانوا فأسلمت سيفي وعدت وحيدا أجرجر نفسي عند الصباح وفي القلب وكر لبعض الجراح 
وتبقين سرا وعشا صغيرا إذا ما تعبت أعود إليه فألقاك أمنا إذا عاد خوفي
يعانق خوفي ويحنو عليه ويصبح عمري مشاعا لديه

أراك ابتسامة يوم صبوح تصارع عمرا عنيد السأم
وتأتي الهموم جموعا جموعا تحاصر قلمي رياح الألم
فأهفو إليك
وأسمع صوتا شجي النغم ويحمل قلبي بعيدا بعيدا 
فأعلو  وأعلو 
ويضحى زماني تحت القدم وتبقين أنت الملاذ الأخير
ولا شيء بعدك غير العدم
*************
فاروق جويدة

مرثية حلم


دعني وجرحي 
فقد خابت أمانينا هل من زمان يعيد النبض يحيينا
يا ساقي الحزن لا تعجب في وطني نهر من الحزن يجري في روابينا
كم من زمان كئيب الوجه فرقنا واليوم عدنا ونفس الجرح يدمينا
جرحي عميق خدعنا في المداوينا 
لا الجرح يشفى ولا الشكوى تعزينا
كان الدواء سموما في ضمائرنا فكيف جئنا بداء كي يداوينا

هل من طبيب يداوي جرح أمته 
هل من إمام لدرب الحق يهدينا
كان الحنين إلى الماضي يؤرقنا واليوم نبكي على الماضي ويبكينا
من يرجع العمر منكم 
من يبادلني يوما بعمري ونحيي طيف ماضينا
إنا نموت فمن بالحق يبعثنا  
لم يبق شيء سوى صمت يواسينا

صرنا عرايا أمام الناس يفزعنا ليل تخفى طويلا في مآقينا
صرنا عرايا وكل الأرض قد شهدت أنا قطعنا بأيدينا أيادينا

يوما بنينا قصور المجد شامخة والآن نسأل عن حلم يوارينا
أين الإمام رسول الله يجمعنا فاليأس والحزن كالبركان يلقينا
دين من النور بين الخلق جمعنا ودين طه ورب الناس يغنينا
يا جامع الناس حول الحق قد وهنت فينا المروءة أعيتنا مآسينا
بيروت في اليم ماتت قدسنا انتحرت ونحن في العار نسقي وحلنا طينا
بغداد تبكي وطهران يحاصرها بحر من الدم بات الآن يسقينا
هذي دمانا رسول الله تغرقنا هل من زمان بنور العدل يحمينا
أي الدماء شهيد كلها حملت في الليل يوما سهام القهر تردينا
القدس في القيد تبكي من فوارسها دمع المنابر يشكو للمصلينا

حكامنا ضيعونا حينما اختلفوا باعوا المآذن والقرآن والدينا
حكامنا أشعلوا النيران في غدنا ومزقوا الصبح في أحشاء وادينا
مالي أرى الخوف فينا ساكنا أبدا ممن نخاف ألم نعرف أعادينا 
أعداءنا من أضاعوا السيف من يدنا وأودعونا سجون الليل تطوينا
أعداؤنا من توارى صوتهم فزعا والأرض تسبى وبيروت تنادينا
أعدائنا أوهمونا آه كم زعموا وكم خدعنا بوعد عاش يشقينا
قد خدرونا بصبح كاذب زمنا فكيف نأمل في يأس يمنينا
أي الحكايا ستروى عارنا جلل نحن الهوان وذل القدس يكفينا
من باعنا خبروني كلهم صمتوا والأرض صارت مزانا للمرابينا
هل من زمان نقي يف ضمائرنا يحيي الشموخ الذي ولى فيحيينا
يا ساقي الحزن دعني إنني ثمل إنا شربناه قهرا ما بأيدينا
عمري شموع على درب المنى احترقت والعمر ذاب وصار الحلم سكينا
كم من ظلام ثقيل عاش يغرقنا حتى انتفضنا فمزقنا دياجينا
العمر في الحلم أودعناه من زمن والحلم ضاع ولا شيء يعزينا

كنا نرى الحق نورا في بصائرنا والآن للزيف حصن في مآقينا
كنا إذا ما توارى الحلم عانقنا حلم جديد يغني في روابينا
كنا إذا خاننا فرع نقطعه وفوق أشلاءه تمضي أغانينا
كنا إذا ما استكان النور في دمنا في الصبح ننسى ظلاما عاش يطوينا
كنا إذا اشتد فينا اليأس وانكسرت منا السيوف ونادانا  منادينا
عدنا إلى الله عل الله يرحمنا والآن نخجل منه من معاصينا
الآن يرجف سيف الزور في يدنا فكيف صارت كهوف الزيف تؤوينا
هل من زمان يعيد السيف مشتعلا لا شيء والله غير السيف يبقينا
يا خالد السيف لا تعجب ففي زمني باعوا المآذن والقرآن راضينا
هم من ترابك يا ابن العاص في دمنا ثأر طويل لهيب العار يكوينا
قم يا بلال وأذن صمتنا عدم كل الذي كان طهرا لم يعد فينا
هل من صلاح بسيف الحق يجمعنا في القدس يوما فيحييها.. و يحيينا
هل من صلاح يداوي جرح أمته ويطلع الصبح نارا من ليالينا
هل من صلاح الشعب هده أمل ما زال رغم عناد الجرح يشفينا
هل من صلاح يعيد السيف في يدنا ولتبتروها فقد شلت أيادينا
حزني عنيد وجرحي أنت يا وطنيلا شيء بعدك مهما كان.. يغنينا
إني أرى القدس في عينيك ساجدة تبكي عليك وأنت الآن تبكينا 
آه من العمر جرح عاش في دمنا جئنا نداويه يأبى أن يداوينا
ما زال في العين طيف القدس يجمعنا لا الحلم مات ولا الأحزان تنسينا
لا القدس عادت ولا أحلامنا هدأت وقد نموت وتحيينا أمانينا
ما أثقل العمر
لا حلم ولا وطن ولا أمان ولا سيف  ليحمينا
*************
فاروق جويدة

كأن العمر ماكان



قدمت عمرك للأحلام قربانا لا خنت عهدا ولا خادعت إنسانا
والآن تحمل أحلاما مبعثرة  هل هان حلمك  أم  أنت الذى هانا
قامرت بالعمر  والأيام غانية من سره زمنا ساءته أزمانا
قد عشت ترسم أحلاما لعاشقة ذاقت كؤوس الهوى طهرا وعصيانا
زينت للناس أحلاما مجنحة بالحلم حينا وبالأوهام أحيانا
في كل قلب غرست الحب أغنية غنى بها الشعر في الآفاق  وازدانا
أحلامك البحر يطوى الأرض في غضب فلا يرى في المدى أفقا وشطآنا
أحلامك الصبح  يسرى كلما انتفضت مواكب النور وسطَ الليل نيرانا
أحلامك الأمن يبنى في غد أملا طفلا صغيرا بحضن النيل نشوانا
أحلامك الأرض تخشى الله في ورع وترفع العدل بين الناس برهانا
لا تغضبوا من حديثى إنه ألم كم ضاق قلبى به جهرا وكتمانا
عصر لَقيط بسيف القهر شردنا وباعنا خلسة ناسا وأوطَانا
يا أمة قايضت بالعجز نخوتها وشوهت دينها هديا وقرآنا
يا أمة لَوثَت بالعهر ساحتها ومارست فجرها بغيا وبهتانا
هذى خيولك تحت السفح قد وهنت وأغمضت عينها بؤسا وحرمانا
هذى ربوعك بين العجز قد سكَنت وودعت بالأسى خيلا  وفرسانا
هذى شعوب رأت فى الصمت راحتها واستبدلت عيرها بالخيل أزمَانَا
هذى شعوب رأت فى الموت غايتها واستسلمت للردى ذلا وطغيانا
تبكى على العمر فى أرض يلوثها رجس الفساد فتعلى القهر سلطانا
باعوا لنا الوهم أشباحا متوجة من أدمنوا القتل كهانا وأعوانا
بين الجماجم تيجان ملوثَة وفى المضاجع يلهو الفسق ألوانا
لم يبرإ الجرح  لم تهدأ عوارضه وإن غدا فى خريف العمر أحزانا
قدمت عمرك للأحلام  قربانا هل خانك الحلم أم أنت الذى خانا
كم عشت تجرى وراء الحلم فى دأب  وتغرِس الحب بين الناس إيمانا
كم عشت تهفو لأوطَان بلا فزع  وتكره القيد مسجونا وسجانا
كم عشت تصرخ كالمجنون فى وطن ما عاد يعرف غير الموت عنوانا
كم عشت تنبش فى الأطلال عن زمن صلب العزائم يحيى كل ما كانا
كم عشت ترسم للأطفال أغنية  عن أمة شيدت للعدل ميزانا
فى ساحة المجد ضوء من مآثرها من زلزل الكَون أركانا فأركانا
صانت عهودا وثارت عندما غضبت  وخير من أنجبت فى الأرض إنسانا
سادت شعوبا وكَانت كلما انتفضت  هبت عليها رياح الغدر عدوانا
هانت على أهلها من يوم أن ركعت  للغاصبين وويل المرء إن هانا
يجرى بنا الحلم فوق الريح يحملنا ويرسم الكَون فى العينين بستانا
حتى إذا ما خبا يرتاح فى سأم  وفوق أشلائه تبكى خطايانا
لا تسأل النهر من بالعجز كَبلَه  وكَيف أضحى هوان العجز تيجانا
لا تسأل الناى من بالصمت أسكَته وكَيف صارت "غناوى" الناى أحزانا
ناى حزين أنا قد جئت فى زمن أضحى الغناء به كفرا وعصيانا
صوت غريب أنا والأفق مقبرة  فى كل شبر ترى قتلى وأكفانا
هذا هو الفجر كَالقديس مرتحلا منكس الرأس بين الناس خزيانا
غنيت عمرى وكم أطربتكم زمنا وكم ملأت ضفاف النيل ألحانا
غنيت للحب  حتى صار أغنية  فوق الشفاه وطار النيل نشوانا
كَيف البلابل غابت عن شواطئه وكَيف يحضن ماء النيل غربانا
عار على النيل هل ينساب فى وهن وتصبح الأسد فى شطيه جرذانا
عار على النيل يلقى الكَأس منتشيا وكل طفل به  قد نام ظمآنا
فى الأفق غيم وراء الغيم همهمة  وطيف صبح بدا فى الليل بركَانا
صوت النوارسِ خلف الأفق يخبرنى البحر يخفى وراء الموج طوفانا
لا تسأل الحلم عمّن باع أو خانا واسأل سجونا تسمّى الآن أوطانا
أشكو لمن غربة الأيام فى وطن يمتد فى القلب شريانا فشريانا
ما كنت أعلم أن العشق يا وطَنى يوما سيغدو مع الأيام إدمانا
علمتنا العشق حتى صار فى دمنا يسرى مع العمر أزمانا فأزمانا
علمتنا كَيف نلقى الموت فى جلد وكيف نخفى أمام الناس شكوانا
هذا هو الموت يسرى فى مضاجعنا وأنت تطرب من أنات موتانا
هذا هو الصمت يشكو من مقابرنا  فكلما ضمنا صاحت بقايانا
باعوك بخسا فهل أدركت يا وطَنى فى مأتم الحلم قلبى فيك كَم عانى
سفينة أبحرت فى الليل تائهة  والموج يرسم فى الأعماق شطآنا
شراعها اليأس تجرى كلما غرقت حتى تلاشت ولاح الموت ربانا
يا ضيعةَ العمر ساد العمر فى سفه بطش الطغاة وصار الحق شيطانا
كم كنت أهرب والجلاد يصرخ بى يكفيك ما قد مضى سخطا وعصيانا
ارجع لرشدك فالأحلام دانية  واسأل حماة الحما صفحا وغفرانا
هل أطلب الصفح من لص يطَاردنى أم أطلب الحلم ممن باع أوطانا
بين الهموم أنام الآن فى ضجر قد هدنى اليأس فاستسلمت حيرانا
حتى الأحبة ساروا فى غوايتهم وضيعوا عمرنا شوقا وحرمانا
خانوا عهودا لنا  قد عشت أحفظها فكيف نحفظ يوما عهد من خانا
إنى لأعجب عينى كيف تجهلنى ويقطع القلب فى جنبى شريانا
كَم عربد الشوق عمرا فى جوانحنا  وقد شقينا به فرحا وأشجانا
ما سافر الحب ما غابت هواجسه ولا الزمان بطول البعد أنسانا
إن حلقت فى سماء الحب أغنية عادت لياليه تشجى القلب ألحانا
لم يبق شىء سوى صمت يسامرنا وطيف ذكرى يزور القلب أحيانا
قدمت عمرى للأحلام قربانا لا خنت عهدا ولا خادعت إنسانا
شاخ الزمان وأحلامى تضللنى وسارق الحلم كم بالوهم أغوانا
شاخ الزمان وسجانى يحاصرنى وكلما ازداد بطشا زدت إيمانا
أسرفت فى الحب  فى  الأحلام  فى غضبى كم عشت أسأل  نفسى أينا هانا
هل هان حلمى أم هانت عزائمنا أم إنه القهر  كَم بالعجز أشقانا
شاخ الزمان وحلمى جامح أَبدا وكلما امتد عمرى زاد عصيانا
والآن أَجرى وراء العمر منتظرا لا يجىء كَأن العمر ما كَانا
*************
فاروق جويدة


فى وداع بوش


ارحل وعارك في يديك

كل الذي أخفيته يبدو عليك فاخلع ثيابك وارتحل
اعتدت أن تمضي أمام الناس دوما عاريا فارحل وعارك في يديك
لا تنتظر طفلا يتيما بابتسامته البريئة أن يقبل وجنتيك
لا تنتظر عصفورة بيضاء تغفو في ثيابك ربما سكنت إليك
لا تنتظر أما تطاردها دموع الراحلين لعلها تبكي عليك
لا تنتظر صفحا جميلا
فالدماء السود مازالت تلوث راحتيك
وعلي يديك دماء شعب آمن مهما توارت لن يفارق مقلتيك كل الصغار الضائعين
علي بحار الدم في بغداد صاروا‏ وشم عار في جبينك
كلما أخفيته يبدو عليك كل الشواهد فوق غزة والجليل الآن تحمل سخطها الدامي
وتلعن والديك
ماذا تبقي من حشود الموت في بغداد‏  قل لي
لم يعد شيء لديك
هذي نهايتك الحزينة بين أطلال الخرائب والدمار يلف غزة والليالي السود شاهدة عليك
فارحل وعارك في يديك
الآن ترحل غير مأسوف عليك‏ 
ارحل وعارك في يديك
انظر إلي صمت المساجد والمنابر تشتكي ويصيح في أرجائها شبح الدمار
انظر إلي بغداد تنعي أهلها ويطوف فيها الموت من دار لدار
الآن ترحل عن ثري بغداد خلف جنودك القتلي وعارك أي عار
مهما اعتذرت أمام شعبك لن يفيدك الاعتذار
ولمن يكون الاعتذار  
للأرض‏
للطرقات‏
للأحياء
للموتي‏ 
وللمدن العتيقة‏
للصغار  
لمواكب التاريخ‏
للأرض الحزينة
للشواطيء‏
للقفار  
لعيون طفل مات في عينيه ضوء الصبح واختنق النهار
لدموع أم لم تزل تبكي وحيدا صار طيفا ساكنا فوق الجدار 
لمواكب غابت وأضناها مع الأيام طول الانتظار 
لمن يكون الاعتذار 
لأماكن تبكي علي أطلالها 
ومدائن صارت بقايا من غبار 
لله حين تنام في قبر وحيدا‏ والجحيم تلال نار 

ارحل وعارك في يديك
لاشيء يبكي في رحيلك‏ رغم أن الناس تبكي عادة عند الرحيل
لاشيء يبدو في وداعك لا غناء‏ ولادموع‏  ولاصهيل
مالي أري الأشجار صامتة وأضواء الشوارع أغلقت أحداقها واستسلمت لليل‏ والصمت الطويل
مالي أري الأنفاس خافتة ووجه الصبح مكتئبا وأحلاما بلون الموت تركض خلف وهم مستحيل
اسمع جنودك في ثري بغداد ينتحبون في هلع
فهذا قاتل‏‏ ينعي القتيل‏
جثث الجنود علي المفارق بين مأجور يعربد أو مصاب يدفن العلم الذليل
ماذا تركت الآن في بغداد من ذكري علي وجه الجداول غير دمع كلما اختنقت يسيل
صمت الشواطئ‏ 
وحشة المدن الحزينة
بؤس أطفال صغار
أمهات في الثري الدامي
صراخ‏ أو عويل‏ 
طفل يفتش في ظلام الليل عن بيت تواري 
يسأل الأطلال في فزع ولا يجد الدليل
سرب النخيل علي ضفاف النهر يصرخ هل تري شاهدت يوما‏ غضبة الشطآن من قهر النخيل 
الآن ترحل عن ثري بغداد تحمل عارك المسكون بالنصر المزيف
حلمك الواهي الهزيل 
ارحل وعارك في يديك
هذي سفينتك الكئيبة في سواد الليل ترحل لا أمان‏  ولا شراع
تمضي وحيدا في خريف العمر لا عرش لديك‏ ولا متاع
لا أهل لا أحباب‏  لا أصحاب لا سندا‏ ولا أتباع
كل العصابة فارقتك إلي الجحيم وأنت تنتظر النهاية‏ 
بعد أن سقط القناع
الكون في عينيك كان مواكبا للشر والدنيا قطيع من رعاع
الأفق يهرب والسفينة تختفي بين العواصف‏  والقلاع
هذا ضمير الكون يصرخ والشموع السود تلهث خلف قافلة الوداع
والدهر يروي قصة السلطان 
يكذب‏
ثم يكذب‏
ثم يكذب
ثم يحترف التنطع والبلادة والخداع
هذا مصير الحاكم الكذاب موت‏..‏ أو سقوط‏..‏ أو ضياع

ما عاد يجدي
أن تعيد عقارب الساعات يوما للوراء أو تطلب الصفح الجميل وأنت تخفي من حياتك صفحة سوداء
هذا كتابك في يديك فكيف تحلم أن تري عند النهاية صفحة بيضاء
الأمس مات‏ 
ولن تعيدك للهداية توبة عرجاء وإذا اغتسلت من الذنوب فكيف تنجو من دماء الأبرياء
وإذا برئت من الدماء‏  فلن تبرئك السماء لو سال دمعك ألف عام لن يطهرك البكاء
كل الذي في الأرض يلعن وجهك المرسوم من فزع الصغار وصرخة الشهداء
أخطأت حين ظننت يوما أن في التاريخ أمجادا لبعض الأغبياء 
ارحل وعارك في يديك
وجه كئيب وجهك المنقوش فوق شواهد الموتي وسكان القبور
أشلاء غزة والدمار سفينة سوداء تقتحم المفارق والجسور
انظر إلي الأطفال يرتعدون في صخب الليالي السود والحقد الدفين علي الوجوه
زئير بركان يثور
وجه قبيح وجهك المرصود من عبث الضلال‏ وأوصياء الزور
لم يبق في بغداد شيء‏
فالرصاص يطل من جثث الشوارع والردي شبح يدور
حزن المساجد والمنابر تشتكي صلواتها الخرساء من زمن الضلالة والفجور
ارحل وعارك في يديك
ما عاد يجدي أن يفيق ضميرك المهزوم
أن تبدي أمام الناس شيئا من ندم فيداك غارقتان في أنهار دم
شبح الشظايا والمدي قتلي ووجه الكون أطلال‏ ‏ وطفل جائع
من ألف عام لم ينم جثث النخيل علي الضفاف وقد تبدل حالها واستسلمت للموت حزنا‏ والعدم
شطآن غزه كيف شردها الخراب ومات في أحشائها أحلي نغم
وطن عريق كان أرضا للبطولة‏ صار مأوي للرمم‏ ‏
الآن يروي الهاربون من الجحيم حكاية الذئب الذي أكل الغنم
كان القطيع ينام سكرانا من النفط المعتق والعطايا‏ والهدايا والنعم منذ الأزل
كانوا يسمون العرب عبدوا العجول وتوجوا الأصنام‏  واسترخت قوافلهم‏ وناموا كالقطيع
وكل قافلة يزينها صنم
يقضون نصف الليل في وكرالبغايا‏ يشربون الوهم في سفح الهرم
الذئب طاف علي الشواطيء أسكرته روائح الزمن اللقيط لأمة عرجاء قالوا 
إنها كانت ـ ورب الناس ـ من خير الأمم 
يحكون كيف تفرعن الذئب القبيح فغاص في دم الفرات‏ وهام في نفط الخليج‏ وعاث فيهم وانتقم
سجن الصغار مع الكبار‏
وطارد الأحياء والموتي
وأفتي الناس زورا في الحرم
قد أفسد الذئب اللئيم طبائع الأيام فينا‏ والذمم
الأمة الخرساء تركع دائما للغاصبين‏  لكل أفاق حكم
لم يبق شيء للقطيع سوي الضلالة‏ والكآبة والسأم
أطفال غزه يرسمون علي ثراها ألف وجه للرحيل‏ وألف وجه للالم
الموت حاصرهم فناموا في القبور وعانقوا أشلاءهم لكن صوت الحق فيهم لم ينم
يحكون عن ذئب حقير أطلق الفئران ليلا في المدينة ثم اسكره الدمار
مضي سعيدا‏ وابتسم‏ 
في صمتها تنعي المدينة أمة غرقت مع الطوفان واسترخت سنينـا في العدم
يحكون عن زمن النطاعة عن خيول خانها الفرسان عن وطن تآكل وانهزم
والراكعون علي الكراسي يضحكون مع النهاية‏ 
لا ضمير‏
ولا حياء‏
ولا ندم
الذئب يجلس خلف قلعته المهيبة يجمع الحراس فيها‏ والخدم ويطل من عينيه ضوء شاحب
ويري الفضاء مشانقا سوداء تصفع كل جلاد ظلم
والأمة الخرساء تروي قصة الذئب الذي خدع القطيع‏ ومارس الفحشاء‏ واغتصب الغنم
ارحل وعارك في يديك
مازلت تنتظر الجنود العائدين بلا وجوه‏‏ أو ملامح
صاروا علي وجه الزمان خريطة صماء تروي‏ ما ارتكبت من المآسي‏ والمذابح
قد كنت تحلم أن تصافحهم ولكن الشواهد والمقابر لا تصافح
إن كنت ترجو العفو منهم كيف للأشلاء يوما أن تسامح
بين القبور تطل أسماء‏ 
وتسري صرخة خرساء نامت في الجوانح
فرق كبير 
بين سلطان يتوجه الجلال وبين سفاح تطارده الفضائح

الآن ترحل غير مأسوف عليك
في موكب التاريخ سوف يطل وجهك بين تجار الدمار وعصبة الطغيان
ارحل وسافر‏ في كهوف الصمت والنسيان فالأرض تنزع من ثراها كل سلطان تجبر 
كل وغد خان
الآن تسكر‏ والنبيذ الأسود الملعون من دمع الضحايا‏ من دم الأكفان
سيطل وجهك دائما في ساحة الموت الجبان وتري النهاية رحلة سوداء
سطرها جنون الحقد‏ والعدوان في كل عصر سوف تبدو قصة مجهولة العنوان
في كل عهد سوف تبدو صورة للزيف‏ والتضليل‏ والبهتان
في كل عصر سوف يبدو وجهك الموصوم بالكذب الرخيص فكيف ترجو العفو والغفران
قل لي بربك 
كيف تنجو الآن من هذا الهوان 
ما أسوأ الإنسان حين يبيع سر الله للشيطان
في قصرك الريفي 
سوف يزورك القتلي بلا استئذان وتري الجنود الراحلين شريط أحزان علي الجدران
يتدفقون من النوافذ‏  من حقول الموت أفواجا علي الميدان
يتسللون من الحدائق‏  والفنادق من جحور الأرض كالطوفان
وتري بقاياهم بكل مكان ستدور وحدك في جنون تسأل الناس الأمان
أين المفر وكل ما في الأرض حولك يعلن العصيان  
الناس‏‏ والطرقات‏  والشهداء والقتلي عويل البحر والشطآن
والآن 
لا جيش‏
ولا بطش
ولا سلطان
وتعود تسأل عن رجالك‏‏ أين راحوا  
كيف فر الأهل‏‏ والأصحاب‏‏ والجيران 
يرتد صوت الموت يجتاح المدينة لم يعد أحد من الأعوان هربوا جميعا‏ بعد أن سرقوا المزاد
وكان ما قد كان
ستطل خلف الأفق قافلة من الأحزان حشد الجنود العائدين علي جناح الموت
أسماء بلا عنوان
صور الضحايا والدماء السود‏ تنزف من مآقيهم بكل مكان
أطلال بغداد الحزينة
صرخة امرأة تقاوم خسة السجان
صوت الشهيد علي روابي القدس يقرأ سورة الرحمن
وعلي امتداد الأفق مئذنة بلون الفجر في شوق تعانق مريم العذراء
يرتفع الأذان
الوافدون أمام بيتك يرفعون رؤوسهم وتطل أيديهم من الأكفان
مازلت تسأل عن ديانتهم وأين الشيخ‏ والقديس‏‏ والرهبان 
هذي أياديهم تصافح بعضها وتعود ترفع راية العصيان
يتظاهر العربي‏‏ والغربي والقبطي والبوذي ضد مجازر الشيطان
حين استوي في الأرض خلق الله
كان العدل صوت الله في الأديان
فتوحدت في كل شيء صورة الإيمان وأضاءت الدنيا بنور الحق
في التوراة‏
والإنجيل
والقرآن
الله جل جلاله‏‏ في كل شيء
كرم الإنسان
لا فرق في لون  ولا دين  ولا لغة  ولا أوطان
‏’‏خلق الإنسان علمه البيان‏’‏
الشمس والقمر البديع علي سماء الحب يلتقيان
العدل والحق المثابر والضمير‏..‏ هدي لكل زمان
كل الذي في الكون يقرأ
سورة الإنسان 
يرسم صورة الإنسان 
فالله وحدنا وفرق بيننا الطغيان
فاخلع ثيابك وارتحل وارحل وعارك في يديك فالأرض كل الأرض ساخطة عليك
*************
فاروق جويدة