السبت، 18 يونيو 2016

الصبح حلم لا يجئ


ونجئ قهرا للحياة
الناس ترحل مثلما تأتي ويبقى السر شيئا لا نراه
لم أدر كيف أتيت من زمن بعيد
يوما سمعت أبي يقول بأنني قد جئت في يوم سعيد
أمي تقول بأنني أشرقت عند الفجر كالصبح الوليد
تاريخ ميلادي يقول بأنني قد جئت في لقيا الشتاء مع الربيع
لكنني ما عدت أذكر هل ترى قد عشت حقا في الربيع 
من ألف عام والزمان على مدينتنا صقيع
نهر الدموع يطارد الأحياء
يهرب بعضنا والبعض يسقط واقفا
والبعض يمشي في القطيع
قالوا بأنني قد ولدت وفي مدينتنا مجاعة 
والناس تشرب من دماء الناس إن خلت البطون
والجوع مقبرة يحاصرها الجنون ما زالت الأضواء ثكلى
في شوارعنا الحزينة والدرب يسخر بالأماني المستكينة
سنواتي الأولى مضت كصباح عيد
ما زلت أذكر صوت أمي عندما كانت تغني الليل تحملني إلى أمل بعيد
كانت تقول بأن جوف الليل يحمل صرخة الصبح الوليد 
وغدا سنولد من جديد
كانت تقول بأن طفل الأرض سوف يجئ بالزمن السعيد
في صدر أمي لاحت الأيام بستانا تطوف به الزهور
في صوتها حزن  وأحلام وإيمان  ونور
والعمر يرحل في سكون
أمي تغني الليل تحملني إلى الأمل البعيد
وجلست أنتظر الوليد
العشرة الأولى مضت 
فيها رأيت الحزن ينخر قلب قريتنا العجوز ماتت مزارعها وجف شبابها
حتى خيوط الشمس ذابت خلف أحجار الجبل
وروافد النهر الجسور تكسرت
وغدت بقايا من أمل
فتحت عيني ذات يوم في الصباح ورأيت ثوب الأرض أشلاء
تبعثرها الرياح وخشيت أصوات الرياح
كانت تحاصر بيتنا
ومضت تطارد كلبنا المسكين في ليل الشتاء
وسمعت دمع الكلب يصرخ في العراء ورأيته يوما رفاتا في الطريق
قد كان أول ما عرفت من الصحاب وبكيت في الكلب الوفاء
والعمر يسرع بين قضبان السنين
العشرة الأولى مضت
والصبح حلم لا يجئ 
في عامي العشرين صافحت الطريق
وجلست أشهد حيرة الإنسان في زمن الرقيق
يوما نباع وتارة نغدو سكارى لا نفيق
ورجعت أبحث عن شعاع فرأيت صوت الليل يهدر في بقايا من رعاع
والشمس يخنقها الشعاع ووقفت أسأل بعدما رحل الزمان
ونظرت للأرض التي هربت طيور الحب منها  والحنان
لا شيء يا أمي سوى الغربان تصرخ في مدينتنا وتأكل خبزنا
والآن يا أماه أحسب ما تبقى في يدي قد ضاع أكثره وليل الأمس ينخر في غدي
ونسيت ما غنيت يوما ضاع صوت المنشد
آمنت بالإنسان عمري في زمان جاحد
كل الذي ما زلت اذكره من العمر القصير
أني قضيت العمر في سجن كبير
والعمر يا أماه يرحل في اصفرار
ما كان لي فيه الخيار
العشرة الأولى تضيع
عشرون عاما بعدها خمس يمزقها الصقيع
أنا لا أصدق أنني أمضي لدرب الأربعين
الطفل يا أماه يسرع نحو درب الأربعين 
أتصدقين 
ما أرخص الأعمار في سوق السنين
ما عدت أسمع أغنيات كالتي كنا نغنيها 
ما زلت أذكر صوتك الحاني
يغني الليل يستجدي المنى
أن تمنح الطفل الصغير العمر والقلب السعيد
والعمر يا أمي ضنين لكنني ما زلت احلم مثلما يوما رأيتك تحلمين
قد قلت إن الأرض تنزف من سنين وبأن صوت الطفل
بين ضلوعها  يعلو ويحمل فرحة الزمن الحزين
ما زلت يا أماه أنتظر الوليد 
رغم الضياع ورغم عنواني الطريد
إني أرى عينيه خلف الليل تبتسمان بالزمن السعيد
والأرض يعلو حملها والناس  تنتظر الوليد
*************
فاروق جويدة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.