الخميس، 16 يونيو 2016

بالرغم منا قد نضيع


قد قال لي يوما أبي
إن جئت يا ولدي المدينة كالغريب وغدوت تلعق من ثراها البؤس في الليل الكئيب
قد تشتهي فيها الصديق أو الحبيب
إن صرت يا ولدي غريبا في الزحام
أو صارت الدنيا امتهانا في امتهان
أو جئت تطلب عزة الإنسان في دنيا الهوان
إن ضاقت الدنيا عليك فخذ همومك في يديك واذهب إلى قبر الحسين
وهناك صلي ركعتين

كانت حياتي مثل كل العاشقين والعمر أشواق يداعبها الحنين
كانت هموم أبي تذوب  بركعتين
كل الذي يبغيه في الدنيا صلاة في الحسين
أو دعوة لله أن يرضى عليه لكي يرى  جد الحسين
قد كنت مثل أبي أصلي في المساء
وأظل أقرأ في كتاب الله ألتمس الرجاء أو أقرأ الكتب القديمة
أشواق ليلى أو رياض  أبي العلاء

وأتيت  يوما للمدينة كالغريب
ورنين  صوت أبي يهز مسامعي وسط الضباب وفي الزحامِ
يهزني في مضجعي
ومدينتي الحيرى ضباب في ضباب
أحشاؤها حبلى بطفلٍ غير معروف الهوية
أحزانها كرماد أنثى ربما كانت ضحية
أنفاسها كالقيد يعصف بالسجين
طرقاتها  سوداء كالليل الحزين
أشجارها صفراء والدم في شوارعها  يسيل
كم من دماء الناس ينـزف دون جرح  أو طبيب
لا شيء فيك مدينتي غير الزحام
أحياؤنا  سكنوا المقابر قبلَ أن يأتي الرحيل
هربوا إلى الموتى أرادوا الصمت  في دنيا الكلام
ما أثقل الدنيا  وكل الناس تحيا  بالكلام

وهناك في درب المدينةِ ضاع مني  كل شيء
أضواؤها  الصفراء كالشبح  المخيف
جثث من الأحياء نامت فوق أشلاء  الرصيف
ماتوا يريدون الرغيف
شيخ عجوز يختفي خلف الضباب ويدغدغ المسكين شيئا من كلام
قد كان لي مجد  وأيام عظام
قد كان لي عقل يفجر في صخور الأرض أنهار الضياء
لم يبق في الدنيا حياء
قد قلت ما عندي فقالوا أنني المجنون  بين العقلاء
قالوا بأني قد عصيت الأنبياء

درب المدينة صارخ الألوان
فهنا يمين أو يسار قاني
والكل يجلس فوق جسمِ جريمة
هي نزعة الأخلاق في الإنسان
أبتاه  أيامي هنا تمضي مع الحزن العميق
وأعيش وحدي
قد فقدتُ القلبَ والنبض الرقيق
درب المدينة يا أبي درب عتيق
تتربع الأحزان في أرجائه
ويموت فيه الحب والأمل الغريق

ماذا ستفعل يا أبي إن جئت يوما دربنا
أترى ستحيا مثلنا
ستموت يا أبتاه حزنا  بيننا
وستسمع الأصوات تصرخ يا أبي  يا ليتنا يا ليتنا يا ليتنا
وغدوت بين الدرب ألتمس الهروب
أين المفروالعمر يسرع للغروب

أبتاه  لا تحزن
فقد مضت السنين ولم أصل  في الحسين
لو كنتَ يا أبتاه  مثلي لعرفت كيف يضيع منا كل شيء
بالرغم منا  قد نضيع
بالرغم منا قد نضيع
من يمنح الغرباءَ دفئا في الصقيع
من يجعل الغصنَ العقيمَ يجيء يوما  بالربيع
من ينقذ الإنسان من هذا القطيع

أبتاه
بالأمس عدت إلى الحسين
صليت فيه الركعتين
بقيت همومي مثلما كانت
صارت همومي في المدينة
لا تذوب بركعتين
*************
فاروق جويدة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.