الخميس، 16 يونيو 2016

ماذا تبقى من أرض الأنبياء


ماذا تبقى من بلاد الأنبياء
لا شيء غير النجمة السوداء ترتع في السماء
لا شيء غير مواكب القتلى وأنات النساء
لا شيء غير سيوف داحس التي غرست سهام الموت في الغبراء
لا شيء غير دماء آل البيت مازالت تحاصر كربلاء
فالكون تابوت
وعين الشمس مشنقة وتاريخ العروبة سيف بطش أو دماء
ماذا تبقى من بلاد الأنبياء

خمسون عاما
والحناجر تملأ الدنيا ضجيجا ثم تبتلع الهواء
خمسون عاما
والفوارس تحت أقدام الخيول تئن في كمد وتصرخ في استياء
خمسون عاما في المزاد
وكل جلاد يحدق في الغنيمة ثم ينهب ما يشاء
خمسون عاما
والزمان يدور في سأم بنا فإذا تعثرت الخطى عدنا نهرول كالقطيع إلى الوراء
خمسون عاما
نشرب الأنخاب من زمن الهزائم نغرق الدنيا دموعا بالتعازي والرثاء
حتى السماء الآن تغلق بابها
سئمت دعاء العاجزين وهل ترى يجدي مع السفه الدعاء

ماذا تبقى من بلاد الأنبياء
أترى رأيتم
كيف بدلت الخيول صهيلها في مهرجان العجز واختنقت بنوبات البكاء
أترى رأيتم
كيف تحترف الشعوب الموت
كيف تذوب عشقا في الفناء
أطفالنا في كل صبح يرسمون على جدار العمر خيلا لا تجيء وطيف قنديل تناثر في الفضاء
والنجمة السوداء
ترتع فوق أشلاء الصليب تغوص في دم المآذن
تسرق الضحكات من عين الصغار الأبرياء

ماذا تبقى من بلاد الأنبياء
ما بين أوسلو والولائم والموائد والتهاني والغناء ماتت فلسطين الحزينة
فاجمعوا الأبناء حول رفاتها وابكوا كما تبكي النساء
خلعوا ثياب القدس
ألقوا سرها المكنون في قلب العراء
قاموا عليها كالقطيع
ترنح الجسد الهزيل
تلوثت بالدم أرض الجنة العذراء
كانت تحدق في الموائد والسكارى حولها يتمايلون بنشوة ويقبلون النجمة السوداء
نشروا على الشاشات نعيا داميا
وعلى الرفات تعانق الأبناء والأعداء
وتقبلوا فيها العزاء
وأمامها اختلطت وجوه النساء
صاروا في ملامحهم سواء
ماتت بأيدي العابثين مدينة الشهداء

ماذا تبقى من بلاد الأنبياء
في حانة التطبيع يسكر ألف دجال وبين كؤوسهم
تنهار أوطان ويسقط كبرياء
لم يتركوا السمسار يعبث في الخفاء
حملوه بين الناس
في البارات
في الطرقات
في الشاشات
في الأوكار
في دور العبادة
في قبور الأولياء
يتسللون على دروب العار
ينكفئون في صخب المزاد
ويرفعون الراية البيضاء
ماذا سيبقى من سيوف القهر
والزمن المدنس بالخطايا
غير ألوان البلاء
ماذا سيبقى من شعوب
لم تعد أبدا تفرق
بين بيت الصلاة وبين وكر للبغاء
النجمة السوداء
ألقت نارها فوق النخيل فغاب ضوء الشمس جف العشب
واختفت عيون الماء

ماذا تبقى من بلاد الأنبياء
ماتت من الصمت الطويل خيولنا الخرساء
وعلى بقايا مجدها المصلوب ترتع نجمة سوداء
فالعجز يحصد بالردى أشجارنا الخضراء
لا شيء يبدو الآن بين ربوعنا غير الشتات وفرقة الأبناء
والدهر يرسم صورة العجز المهين لأمة خرجت من التاريخ
واندفعت تهرول كالقطيع إلى حمى الأعداء
في عينها اختلطت دماء الناس والأيام والأشياء
سكنت كهوف الضعف واسترخت على الأوهام
ما عادت ترى الموتى من الأحياء
كهانها يترنحون على دروب العجز
ينتفضون بين اليأس والإعياء

ماذا تبقى من بلاد الأنبياء
من أي تاريخ سنبدأ بعد أن ضاقت بنا الأيام
وانطفأ الرجاء
يا ليلة الإسراء عودي بالضياء
يتسلل الضوء العنيد من البقيع إلى روابي القدس
تنطلق المآذن بالنداء
ويطل وجه محمد يسري به الرحمن نورا في السماء
الله أكبر من زمان العجز
من وهن القلوب
وسكرة الضعفاء
الله أكبر من سيوف خانها
غدر الرفاق
 وخِسة الأبناء
جلباب مريم لم يزل فوق الخليل يضيء في الظلماء
في المهد يسري صوت عيسى في ربوع القدس نهرا من نقاء
يا ليلة الإسراء عودي بالضياء
هزي بجذع النخلة العذراء يتساقط الأمل الوليد على ربوع القدس
تنتفض المآذن يبعث الشهداء
تتدفق الأنهار تشتعل الحرائق
تستغيث الأرض
تهدر ثورة الشرفاء
يا ليلة الإسراء عودي بالضياء
هزي بجذع النخلة العذراء رغم اختناق الضوء في عيني ورغم الموت  والأشلاء
مازلت أحلم
أن أرى قبل الرحيل رماد طاغية تناثر في الفضاء
مازلت أحلم
أن أرى فوق المشانق وجه جلاد قبيح الوجه تصفعه السماء
مازلت أحلم
أن أرى الأطفال يقتسمون قرص الشمس يختبئون كالأزهار في دفء الشتاء
مازلت أحلم
أن أرى وطنا يعانق صرختي ويثور في شمم.. ويرفض في إباء
مازلت أحلم
أن أرى في القدس يوما صوت قداس يعانق ليلة الإسراء

ويطل وجه الله بين ربوعنا وتعود أرض الأنبياء
*************
فاروق جويدة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.